أوراق رفعت خالد

الخميس, سبتمبر 30 - الورقة الأولى

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   السلام عليكم و رحمة الله..

 

   هذه أعمالي القادمة إن شاء الله، و التي بعضها يختبأ في المستقبل البعيد و الآخر قادم في منتصف الطريق و البعض قد تراءى و لاحت ملامحه بوضوح..

 

-         الشيء : ست قصص رعب قصيرة عبارة عن أول مجموعة قصصية لي بحول الله.

-         الصيد 1 : قصة رعب متوسطة الطول، يتبعها جزئها الثاني الصيد 2.

-         ناقوس الخطر 6 : ( عملية إنقاذ الجزء الثاني )

-         مجرد قصاصات : شذرات و أشلاء عبارات.

-         عندما تتظاهر بالشجاعة و عدم القرف : الحلقة الثالثة من يومياتي (داكار بريك)

------------------------------------

 

 

 


 


التعليقات (2) :: اكتب تعليقك! :: الرابط

الأحد, أبريل 13 - الجمجمة 4

 

4

 

 

النهاية  

    ربما كان الوقت فجرا وقتئذ لمـّا سمعت الباب ينفتح ببطء... تأهبت لل.. للهرب.. ولكني سرعان ما لمحت (عزّوز) الذي انقضّ علي و عانقني و هو يُتمتم منهارا:

    - حمدا لله على سلامتك يا صديقي !..

    - شكرا لك... الحمد لله..

    - ســامحني إن لم آتي البارحة لمساعدتك فقد تجمدت مكاني تماما..

    - لقد فعلتَ ما بوسعك.. بل إن الفضل كله يعود لك.. فكيف كان لي أن أتخلص منه لولا تلك الوصفة الحبيبة..

     قال بعد أن أفلت عنقي:

    - لا شكرا على واجب.. المهم هو أنك الآن بأمن و أمان..

    - إنها رعـاية الله يا صديقي..

    - و ِنعم بالله..

    كان ذلك اليوم أحدا.. تناولنا الفطور في صمت، ثم دعـاني لمنزله..

 

* * *

    لعبنا الأوراق و الشطرنج، و عندما أخذ مني الملل ما أخذ توقفت عن اللعب و توجهت لمكتبته المتواضعة.. تناولت كتابا بعنوان (المقاولات و الشأن الاقتصادي بالمغرب ) – وأنا بالمناسبة أكره هذه المصطلحات كره الموت – فقلت و أنا أتصفحه:

    - أنا لا أعرف لماذا تقتني مثل هذه الكتب المملة ؟.. ألا توجد صور ؟..

    - لا أصدق نفسي عندما أتخيل أنك بعد أعوام قليلة ستكون طبيبا ؟!..

    - أنا أيضا مثلك..

    - ولكن قُلّي... ما قصة ذلك المسخ ؟.. ألم تعرف بعد غايته من محاولته تمزيقك إلى قطع بمنجله الضخم ؟..

    ضحكت ثم قلت وابتسـامة خبيثة على ركن فمي الأيمن:

    - نعــم !!..

    - حقا ؟... منذ متى ؟..

    - منذ البارحة.. و بالضبط بعد انتهاء ذلك الكــابوس، حيث تمددت فوق سريري و قمت ببحث مُضني في مزبلة رأسي عن تفسير لكل هذا.. حاولت تجميع كل المعطيات و الأحداث و ربطتها بأشيـاء بعد أن أزلت منها أشيـاء... و فجأة وجدت التفسيـر الذي صعقني على حين غرة ففهمت كل شيء..

    - هذا جيد.. تكون ذكيا في بعض الأحيان.. ولكن الأهم لم تقله بعد..

    - سأقوله.. فقط بعض التشويق كما في قصص (شرلوك هولمز)..

    ثم اعتدلت مكاني و أنشأت أقول و قد محوت الابتسامة من على ثغري:  

    - لقد تداخلت الأحداث بعضها في بعض وكوّنت شيئا فشيئا التفسير الذي كان كل ما أتمناه.. وقد كان مُرعبا... حسنا.. لا تبكي، سأدخل صلب الموضوع حالا...

   (... في السنة الماضية و في أحد أيام الشتاء غادرت المنزل قاصدا (فيلاّ) أحد أصدقـائي الأثرياء، إذ أني كنت مدعوا إلى حفلة عيد ميلاده...

     كان المنزل فخما، مليئا بالصور و التماثيل و الأثاث الذي لا أراه إلا في الأفلام المكسيكية... و كانت حفلة بهيجة، حيث الضوضاء و (قعقعة) الأوانـي تبعث شعورا محببا في النفوس... وبالطبع ارتكبت أخطاء فادحة كعادتي، إذ أن الحلوى سقطت على بذلتي التي كنت أخاف عليها من ذرات الغبار و أنا في الطريق.. وسقط كأس العصير من يدي بعد مدة لا بأس بها من الكارثة الأولى لينفجر على الأرض.. فكان من السهل قراءة نظرات الشباب لي حينها وكأنها الحروف مكتوبة على دوائر تخرج من أفواههم، كما في مجلات الأطفال.. حيث قال أحدهم وهو يهمس في أذن صاحبه: (لم أر في حياتي كلها بلادة كهذه !)... ثم قالت أخرى بين أسنانها و هي تمضغ العلكة كاتمة ضحكة اشمئزاز: (لماذا يدعون أشخاصا كهؤلاء إلى الحفلات ؟)..

    ضحك (عزّوز) حتى استطعت حساب عدد أضراسه..          

    (.. لا علينا... بعد انتهاء الحفلة، غادر الكل باستثنائي و صديقي (هشـام) ثم صاحب المنزل - طبعا – (رضى)... تعاونا على جمع الكراسي و قُمنا بتلك العمليات الشهيرة التي تلي كل حفلة.. إذ أن رضى كان وحده بالمنزل بعد سفر عائلته إلى فرنسا.. ثم جلسنا أمام مدفئة ضخمة بعد أن أطفئنا الأنوار و بدأنا نتأمل وجوه بعضنا البعض وقد أضاء لهيب النار نصفها...

     لا أعرف من اقترح فكرة حكي قصص الرعب والتجارب المفزعة.. ربما تراقص اللهيب على جدران قاعة الحفلات الواسعة هو من ألهمنا وبث في نفوسنا هذه الرغبة الجهنمية !!.. المهم... بدأ (هشام) بروي قصة مملة لا أذكرها، و عند انتهائه كان دوري فاعتذرت لكوني لم أشهد أو أسمع وقائع مفزعة في حياتي ماعدا أفلام الرعب الأمريكية المليئة بالدم و الأمعاء المتدلية التي أشاهدها أحيانا.. وهكذا وصل دور (رضى)... ليتني نهضت قبل أن يحكي قصته اللعينة..

    تثاءب (عزّوز) و أشار بيده بهدوء بمعنى (أكمل أرجوك)..

   (... بدأ يروي حكاية لا أعرف لماذا شدتني شدا و شغلت تفكيري تماما.. ربما يعود ذلك إلى طريقته في حكيها أو... لا أدري !..

    إنها قصة رجل ما عاد ذات مرة من عمله ليجد بيته يحترق... صُعق و انفطر فؤاده حسرة على عائلته الصغيرة، زوجته الشابة و طفلاه التوأمان.. و سرعان ما تحول ولعه إلى غيض وهستيريا لمـّا لاحظ حشدا من الناس أمام المنزل.. و لا أحد يحرك ساكنا !!..

    زمجر في غضب جامح وهو ينـزع قميصه و يخترق النيران مناديا زوجته و وولداه.. ثم اختفى لوقت طويل.. فبدأ الناس يتهامسون و يوشوشون...

    لقد كانت الحمم تتقاذف من النوافذ، الشيء الذي جعل دخول المنزل من سابع المستحيلات..

     ولكن أحدهم لمحه.. أو هكذا يزعم.. لمحه عبر النافذة يحترق و يصرخ ملتويا.. وفي عينيه بريق غريب، بريق مرعب.. و أكد ذلك الشخص أنه رآه يلوح إلى الناس مهددا قبل أن تتمكن منه النيران تماما..  

     و قد فقد ذلك الشاهد وعيه بعد المشهد المرعب إياه – كما وصفه – بل إنه صار مجنونا بعد ذلك، يصرخ في الشارع بأن شبح الرجل المحترق سينتقم منهم جميعا..

     و في الأيام التالية حدثت أشياء في غاية الغموض بتلك القرية الأسترالية الهادئة... اختطاف أطفال و جرائم قتل مبهمة ذهب إثرها حوالي خمسون ضحية.. و طريقة القتل كانت شنيعة بمعنى الكلمة.. الرأس ينظر للوراء و الأمعاء قد انتزعت تماما.. أمّا الأطراف فلن تجدها !!.. وقد أكد المحققون أن الجرائم قد ارتُكبت بأداة حادة، هي في الغالب فأس أو.. منجل !!.. و يُقــال أن جميع ضحايا جرائم القتل كانوا هم أنفسهم الشهود على تلك المحرقة المروعة.. و حتى الأطفـال المختفون كانوا من عائلات هؤلاء الضحايا !.. هذا يعني أن (الشبح) قد انتقم منهم فعلا.. ولكن.. كيف فعل ذلك و هو في عداد الأموات ؟؟!..

     بل يُروى أنه من يسخر من ذلك الرجل لعدم تلقيه و عائلته أي مساعدة أثناء الحريق... سيأتي ليضيفه إلى قائمة الموتى !..

    و هنا بيت القصيد... هنا ارتكبتُ أكبر و أغبى خطأ في حيـاتي !.. أردت التظاهر بالشجاعة و تحطيم هذه الخرافة السخيفة - كما بدت لي حينها - وقلت، ساخرا، أنه لن يُحمّل نفسه أعباء السفر من أستراليا إلى المغرب لتمزيقي لمجرد أني تفوهت بكلمات سخيفة... ولم أدري وقتها مدى خطورة ما أُقدم عليه..

     لقد ناديته بصوت عالي رغم معارضة (رضى) و الرعب الذي ارتسم في عيني (هشام)... رعب معرفتك المسبقة بحدوث شيء مخيف و عجزك عن الاعتراف بذلك..

    - هوووو.... أنت وحيد أيها الشبح التافه.. لم يساعدك أحد، لأنك بلا قيمة... بلا قيييييييمة... هاهاهاها..

    قال (عزّوز) و هو يحك ذقنه:

    - هكذا إذن... فهمت الآن..

    تابعت وكأني لم أسمع تعليقه:

    (... سخرت بعد ذلك من سخافة القصة ومن كل من يُصدقها.. ولم أدري حينها أني أسخر من نفسي..

    ثم مرت الأيـام بإملالها و قرفها الشديدين، ولم يحدث شيء ذا أهمية ما عدا بعض الكوابيس المزعجة، المليئة بالدم و الرؤوس المقطوعة و الضحكات الطويلة...

    وكما تعلم بدأ كل شيء في اليومين السابقين.. و لكن الذي لم أفهمه بعد هو.. لماذا لم يقض علي بمنجله الضخم ليلة الجمعة ؟... أقصد لماذا لم يبتر أطرافي و ينزع أحشائي و يجعل رأسي ينظر للوراء ؟!..

    قال ببطء وهو يتأمل شيئا وهميا في الحائط:

    - ربما كان يهدف من وراء ذلك إلى إرعابك و إفقادك صوابك، و هذا ما يفسر تلك الأعمال الشيطانية من تحطم الصحون و رؤيتك لأشياء وهمية لا أساس لها من الصحة ثم تلك الأصوات.. و بلا شك، كان يخطط للقضاء عليك ليلة أمس..        

    - تماما... يبدو هذا منطقيا..

    قلتها و نظراتي الزائغة تسبح في عوالم اللاوجود...

   ثم استطردت بعد أن طفا سؤال فوق بحر أفكاري:

   - ولكن هل يُعقل أن ينهض هذا الرجل من قبره بحثا عن معتوه (سمعه) يسخر منه ؟..

   - كنت قد قرأت عن هذه الأشيـاء في عدة روايات رعب كما شاهدت أشياء مماثلة في قاعات السينما.. ولكني لم أتعجب كثيرا عندما حدث هذا معك، لأنه في نظري أي شيء ممكن الحدوث في هذه الحياة.. ألم تسمع بتلك المرأة التي أنجبت طفلا له منقار و...

   - كـفى، كفـى... أعلم أن جعبتك مليئة بمثل هذه الوقائع المفزعة..

   ثم انفجرنا ضاحكين...

 

* * *

   عدت إلى شقتي الحبيبة.. كان الوقت ظُهرا، فوجدت أن أفضل ما يمكن القيام به حينها هو الغوص عميقا في غياهب قيلولة.. قمت باستعداداتي الشهيرة للنوم، حيث ارتديت منامتي و وضعت جهاز الراديو بقربي بعد أن فتحته على أغنية هادئة ل (بوب مارلي) ثم استلقيت بنشاط على سريري...

   مرّ أمام عيني شريط أحداث اليومين الماضيين.. فاكتفيت بمطّ شفتيّ في تعجب، ثم أغمضت عيني و... وهبّ نسيم النوم...

 

 

 

تمت بحمد الله

كُتبت في صيف 2003 وتم تعديلها سنة 2005

التعليقات (0) :: اكتب تعليقك! :: الرابط

الأحد, أبريل 13 - الجمجمة 3

3

 

   قال بعد مدة و أنا أتأمل وجه مذيع في شاشة التلفاز...

   - أ تعلم ؟.. عندي بعض المعلومات في ميدان الأعشاب..

   - وماذا سيفيدني هذا في الظرف الحالي ؟... أنا أيضا عندي بعض المعلومات في كيفية طهي الحلوى دون أن تلتصق بالمقلاة..

   - لا، أنا جاد فعلا.. أعرف وصفة بسيطة جدا ستنقذك من ذلك الشيء...

   - هذا جميل...

   قلتها بضجر واضح قبل أن أمد يدي نحو الريموت كنترول لأبحث من جديد عن قناة أقل مللا..

   - خالد.. أنصت جيدا، فهذه ليست مسألة هزلية...

   ثم تابع بعد أن لاحظ لامبالاتي:

   - الوصفة كالتالي: حبتان من ''الجوزة ''.. القليل من البخور و خفاش محنط.. ستجد كل هذا عند عطار الحي... يجب أن تشتري هذه الأشياء الليلة..

   - ماذا ؟... ألن أشتري ذيل فأرة وبراز ضفدع أيضا ؟..

   قال وكأنه لم يسمع سخريتي التافهة:

   - لا تنسى أن تضع قربك عندما تريد النوم مجمرة و تلك الأشياء، وفي حالة الخطر ما عليك إلا رمي الكل في المجمرة، وقراءة آية الكرسي عدة مرات، وما إن يستنشق ذلك الشيء البخار المتصاعد ويسمع آية الكرسي حتى يحترق بالكامل..

   ثم أضاف خاتما:

   - هذا كل ما أقدر مساعدتك به... وإن واجهتك أي مشاكل لا تتردد في الاتصال بي..

   - حسنا، حسنا.. لا داعي للنصيحة الأخيرة، فأنت لست موظفا بإحدى شركات الأجهزة الإلكترونية... لن أخسر شيئا في كل الأحوال.. سأذهب الآن لأشتري هذه الأشياء المرعبة..

   ابتسم ثم أردف :

   - هذا أفضل...

   ودّعته شاكرا له معروفه ومعتذرا عن حماقاتي.. ثم نزلت السلم المضاء بإنارة شاحبة و أنا أسمعه يصرخ:

   '' كـن حـذرااااا يا خاااااالـد...''

 

* * *

   قطعت الطريق وأنا ألتفت يمينا وشمالا، قبل أن أتوجه نحو العطار إياه..

   إنه رجل طـاعن في السن.. كان يجلس على كرسي عتيق و ينصت لأغنية هادئة منبعثة من جهاز راديو صغير...

    خفّض الصوت حين ألقيت التحية...

   - أريد حبتان من الجوزة... القليل من البخور و خفاش محنط.. من فضلك..

   نظر إلي بتأمل... إن عيناه تعكسان الكثير من الذكاء و الحكمة.. ووجهه يُظهر بوضوح آثار التاريخ وقد نحتته السّنون نحتا بين تجـاعيد جلده...

   التفتُّ بعصبية لأهرب من نظراته، فنهض ببطء و هو يتأوه و يلعن أمراض الظهر و الأعصاب.. ثم غاب وسط دكانه المليء بالأشياء الغريبة، ولم يلبث أن عاد ممسكا كيسا بلاستيكيا و عيناه لا تفارقان وجهي..

   - لا شك أنك تعرف طريقة استخدام هذه الأشياء.. ''كح''.. ''كح''..

   قالها و هو يسلمني الكيس بيد نحيفة، مرتعشة.. فسلمته بدوري النقود..

   - نعم، نعم.. شكرا.. وداعا..

  و انصرفت بسرعة فارا من نظراته المزعجة...

 

* * *

     لقد كان هناك في انتظاري... دائما تحت عمود الإنـارة.. إنه يتعمّد ذلك كي لا يُظهر وجهه !..

     اختنقت من فرط الرعب، ولكني حاولت إظهار عدم ملاحظتي له...

     تبّا لهذه السيارات اللانهائية، إنها تجعلني واقفا هنا في منتصف الطريق أختلس النظر - مضطرا - إلى ذلك الشيء الذي لا يبدي أية حركة و كأنه تمثال عرض في إحدى الصالونات...

    قطعت الطريق أخيرا و أنا أرتجف لاشعوريا.. توجهت بسرعة نحو بوابة العمارة، وما إن أصبحت أمام السلم حتى التهمت الدرجات بسرعة جنونية...

   أخرجت بيد مرتعشة المفتاح من جيبي ما إن أصبحت أمام الباب و... و لكنه سقط فوق الأرضية محدثا صوتا حادا كسّر الصمت الرهيب الذي يخيم على المكان.. انحنيت كي أحمله فتجمدت مكاني عندما سمعت صوت خطوات على الدرج... ارتفعت دقات قلبي لدرجة خطيرة، وازداد ارتعاش يدي و أنا أحاول جاهدا حمل المفتاح.. والخطوات تواصل تقدمها بثقة مرعبة..

    استطعت أخيرا حمله، فأولجته بسرعة في القفل و ذعر منقطع النظير يغمرني، و لشدة هلعي لم يُفتح الباب.. لقد تصلب المفتاح في القفل وكأن هذا الأخير قد أبرم اتفاقا مع المسخ بعدم سماحه لي بالدخول، حتى يلتهمني الوحش بعجلة، لأنه - ربما - لا يملك الوقت الكـافي للدخول..

    تسرب العرق إلى عينيّ، فرحت أفركهما بجنون و أنا أعُدّ، حسب صوت الخطوات، عدد الدرجات المتبقية له..

    فتحت عيني فكان المنظر ضبابيا وكأن سحـابة حطّت على رأسي.. كان كل شيء يتموج أمامي، وقد بدأت أرى خيالا على جدار السلم.. أولجت المفتاح من جديد، وأملي في الحياة يختفي شيئا فشيئا..

    و انفتح.. لقد انفتح الباب أخيرا.. نعم لقد انفتح.. كدت أطير فرحا رغم الموقف البشع الذي كنت فيه..

    ولكن الرعب صعقني أكثر هذه المرة حين لمحت ذلك الشيء و قد تجاوز الدرجة الأخيرة، وببرود توقف.. يداه لا تفارقان جيبه.. و..

   يـا إلهي مـاذا أقول ؟.. وكيف أجعلكم تفهمون حجم الذعر الذي اجتاحني حينها..  هل أصفه بعاصفة رملية مهولة داخل قلبي ؟.. أم بشعور الفأر وقد قضم الثعبان نصفه ؟..

    تحت الإنارة الشاحبة للمصباح فوق باب شقتي، كنت أنا و ذلك الشيء، ننظر لبعضنا... أذكر أني أحسست بشعر رأسي وكأنه أشواك منتصبة، وبدورتي الدموية و كأنها توقفت.. لأن... لأنه كـان ينظر لوجهي مباشرة !..

    لقد غمر ضوء المصباح - اللعين - ملامحه... يا لهول المشهد ويا لبشاعة وجهه ! ..

   إنه عديم الوجه.. وبالطبع أعني هنا أنني كنت أنظر إلى جمجمـة !؟!... نعم.. أنا لم أخطأ الكلمة.. لقد كانت جمجمة..

   أما الجميل.. فعيناه.. أو بالأحرى.. مكان عينيه الذي يشع بضوء أخضر غريب !..

   لا أعرف كم من الوقت ظللت أرمقه و لا سبب ذلك الخدر الغريب الذي اجتاح جسدي.. ولكنه ما إن تقدم حتى استعدت جأشي فجأة فاقتحمت المنزل بثورة..

   أغلقت الباب وأنا أتوقع مقاومة منه.. ولكن ذلك لم يكن !.. فصدمت الباب بقوة وأحكمت إغلاقه بالمزلاج.. رميت الكيس البلاستيكي فوق مقعد و أخرجت بقوة نفسا كانت سجينة حلقي ثم رحت أجول كالمجنون في الردهة وأنا أتساءل عن مدى صحة ما رأيته قبل قليل..

 

* * *

   كـان كل عضو من جسمي يرتجف بعصبية، وكنت أقول كلمات بدون معنى...

   حملت هاتفي المحمول من فوق التلفاز، و أتذكر أني كنت أركب أرقاما و أحذفها و أنا أبكي بصوت منخفض، لا أذكر بمن كنت سأتصل وقتها.. ولكن ذلك لم يقع لأن دقات على الباب لفتت انتباهي فجأة..

   ''طــاااق''... ''طــااق''... ''طــاق''..

    توقفت عن البكـاء، وعاد بركان الرعب في قلبي للغليان ولكن سرعان ما تحول الذعر إلى غيض و هيجان، فاقتربت من الباب و أنا أصرخ:

   - من أنت يا جبـان ؟.. تبا لك.. مـاذا تريد مني ؟.. لا أملك شيئا يستحق كل هذه المطاردة.. سُحـقا لك..

   - افتح الباب يا خالد !.. أنا عزّوز..

   - ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟..

    لقد صعقني صوت عزّوز.. ألم يكن ذلك الوحش قرب الباب قبل قليل ؟..

    تذكرت فجأة لقطة من فلم رعب أمريكي... عندما يقلد المسخ صوت طفل ليخدع أمه حتى يلتهمها...

    - لن أُخدع بهذه البساطة أيها المسخ الغبي... لن أفتح الباب حتى لو قلدت صوت جدتـي..

    - أنا عزّوز يا خالد... لماذا لا تصدقنـي ؟..

    - حسنا.. إذا كنت عزّوز حقا... أخبرني عن الأشياء التي طلبت مني شراءها قبل قليل !...

    - الجوزة و البخور و الخفاش... حسنا، هل ستفتح الباب الآن ؟..

   زفرت في اطمئنان و أنا أسحب المزلاج و أفتح الباب، لأرى وجه (عزّوز) الممتقع..

   قال و هو يتأمل عينيّ المحمرّتين في شك خطير:

   - لقد سمعت الباب يوصد بعنف منذ قليل... مـاذا حدث ؟..

   قلت و أنا لا أستطيع إخفاء توتري الشديد:

   - ذلك المخلوق البشع... لقد تعقبني حتى هنا، وكـاد يجهز علي... ألم تلحظ شيئا مريبا عند خروجك ؟..

   - أمممم... لا..

   - عجبا !!..

   - مـاذا ؟

   - لا شيء..

 

* * *      

    جلسنا بصالوني الضيق و شرعنا في التفكيــر و الصمت يلتهمنا بشراهة...

     - ما رأيك في أن أبيت معك الليلة ؟..

    قالها فجأة ليتقاذف صدى صوته بين جدران البيت..

    و قد رفضت.. رفضت بصرامة... ليس لإظهـار مدى شجاعتي و قدرتي على تحطيم عظام ذلك الشيء.. بل لأني لا أريد أن يموت أحد غيري بسببي... فهذا الوحش يريدني أنا... ربما يحبني !.. و ربما فعلت شيئا أَزعجه !.. ما أدراني ؟... لذا فأنا أستحق كل ما سيحدث.. ويكفيني تحمل مسؤولية حيـاتي..

    أصرّ على طلبه، فأصررت على رفضي... حتى نهض مستسلما و متمنيا لي البقاء على قيد الحياة، على الأقل حتى أرى والديّ، فشكرت له ذلك وودعته..

    أخذت الهاتف و تلك الأشياء البشعة إلى بيت النوم، و استلقيت على السرير مفكرا...

   ماذا فعلت حتى أزعج هذا الشيء ؟.. ومن سيصدقني غير (عزّوز) لو أخبرته بالقصة ؟.. وهل ستسنح لي الفرصة لرؤية ابتسامة أمي من جديد و أسمع صوت أبي و هو يسألني عن أحوالي ؟.. 

   أحسست بدفء السرير وبحلاوة النوم تغطي عيني و انتشر التعب في سـائر جسمي بعد أن كـان مُحتشدا في قدمي و... ونمت...

   ..............

 

* * *

   لا أعرف متى أفقت على ضجيج خفيف.. كـانت الغرفة مُظلمة، و كنت لا أرى شيئا ماعدا نور القمر الهادئ المتدفق من النافذة..

   بقيت عيناي تنظران إلى صورة الزجاج المنعكسة على الحائط المقـابل و... وفجأة لمحت - غير مصدقا - خيالا مرّ بسرعة البرق..

   تصلبت مكـاني، وحولت نظراتي ببطء إلى النافذة..

   كـان المنظر هادئا.. ذلك الهدوء الرهيب الذي يجعلك تتجمد مكانك خوفا من أن تخلق جلبة و تُلفت انتباه شيء ما.. شيء ما يُراقبك، و ينتظر الفرصة لينقض عليك، شيء له ملامح تقشعر لها الأبدان و تشيخ لهولها الولدان.. ملامح لا تذكرك بملامح الإنسـان في شيء.. ولا حتى ملامح الحيوان... ملامح.. تفضل البقاء مكانك عند رؤيتها.. لأن مصيرك لا جدال فيه... 

    جالت بذهني هذه الخواطر المرعبة فبلعت لعابي بصوت مسموع و حاولت أن أغمض عيني بحثا عن النوم.. ولكن قبل أن أقدم على ذلك، لمحت ثانية ذلك الشبح يمرق أمام النافذة.. فأغمضتهما بسرعة و أنا أرتعش بشدة..

   كنت في حالة نفسية مزرية و أحسست بدافع غريب يرغمني على فتح عيني.. قاومت بشدة هذا الإحساس، و لكنه تغلب علي، و فتحتهما و...

   رأيت شخصا يدفع النافذة بهدوء !!.. مـاذا ؟!... هل هذا الذي أراه شخص يحاول الدخول من النافذة ؟!... هذا جميـل !.. ولكن.. كيف ؟.. كيف صعد ؟..

   و لشدة دهشتي لم يكن هذا الشخص بغريب علي.. كان شخصا (مُظلما)... يرتدي، على ما يبدو، معطفا أسودا طويلا ذو قبعة... ولكن ما بال عينيه المشعّتين و... ربّاااه.... إنه (الجمجمة)..

   قفزت من السرير مذعورا و اختطفت الهاتف... كنت أضغط ملهوفا على الأزرار مركبا رقم هاتف (عزّوز) و أنا ألتصق بالحائط أنظر بين الفينة و الأخرى إلى ذلك الشيء و قد تجاوز إطـار النافذة وشرع في التقدم نحوي بتؤدة و هدوء مثيران للأعصاب.. والأسوأ أنه يحمل شيئا أقرب إلى المنجل من أي شيء آخر...

   ألصقت الهاتف بأذني و قد بدأت أسمع تلك الرنات الطويلة المتقطعة... تبّا.. يبدو أن (عزّوز) لن يحمل الهاتف حتى أتحول أنا إلى شرائح لحم بعضها في أمعاء هذا المسخ و البعض الآخر مُلقاً على الأرض...

   توقف الشيء فجأة و بدأ يتأمل حوله، مُتجاهلا وجودي تماما... غريب هذا !!.. ماذا يريد هذا المخلوق بالضبط ؟.. هل يريد شراء المنزل مثلا ؟...

   و فجأة سمعت صوت (عزّوز) على الهاتف يتثاءب قائلا :

   - ماذا هنــاك ؟.. ألا تعلم كم الساعة الآن ؟.. إنها...

   - (عزّوز)... النجدة !!.. إن الوحش في غرفة نومي الآن.. إنه يتقدم نحوي... ماذا أفعل بحق السمــاء ؟..

   - ماذا ؟... يا إلهي !.. هل معك الوصفة ؟..

   - نعم.. نعم... ماذا أفعل بها ؟.. هل أرجمه بها ؟..

   - لقد نسيتَ ما قلتُه لك بشأنها... إذن أصغي لي جيدا.. أشعل المجمرة و ضع فيها تلك الأشياء ثم اتل سورة الكرسي.. هيا بسرعة..

   كنت أنصت إلى (عزّوز) و عيناي لا تفارقان (الجمجمة) الذي كفّ – لسوء الحظ - عن النظر إلى الجدران وقد فهم أن هذا ليس وقتا مناسبا لمثل هذه الأشيـاء.. وواصل الخطو بنفس البطء و ببرودة أعصابه المعهودة وقد رفع منجله استعدادا لتمزيقي..

   ركضت إلى ركن البيت.. حملت علبة عود الثقاب بيد مرتجفة إن لم أقل راقصة وأضرمت النار بالمجمرة قبل أن أرمي فيها تلك الأشياء.. كل هذا فعلته بيد واحدة - لا أعرف كيف استطعت ذلك ؟! -... ثم ألصقت الهاتف بأذني ثانية و هتفت مذعورا:

   - ماذا أفعل الآن بالله عليك ؟... إنه يقترب أكثر..

   - اقرأ سورة الكرسي يا غبي !...

   آآه... بسم الله الرحمان الرحيم الله لا إله إلا هو ………

    كنت أتلو السورة و أنا أتراجع للخلف و قد خرجت من بيت النوم إذ أنه كـان قد اقترب من العتبة رافعا أكثر فأكثر المنجل الحاد الذي سينغرس في رقبتي حتما...     

   يا إلهي ما هذا ؟… ما إن انتهيت من القراءة حتى رمى المنجل و بدأ يتراجع إلى الخلف و قد فقد هدوءه، بل أكاد أجزم أنه كان يرتجف حينها!.. ثم أبصرت بعيني المتصلبتين الدخان يتصاعد من جسده المرتعش !.. و سرعان ما بدأت شرارات من النار تملأه شيئا فشيئا، حتى اضطرمت فيه النيران بالكـامل… والغريب أن النار لم تلمس شيئا آخر غير جسده !... وكأنها ليست النار التي أعرف !..

   اهتزت كل خلية في جسمي عندما بدأ يُصدر تلك الأصوات... تلك الأصوات التي أقسم أني سمعتها يوما ما !... متى سمعتها يا تُرى ؟.... آآآه.. في  تلك الليلة المريعة بكل تأكيــد...

   - آلو… آآلو…آآآآآلوووو.. خااااالد !!..

   كــان هذا (عزّوز) يصرخ عبر الهاتف الذي سقط من يدي لهول المنظر…

   ياله من مزيج مرعب من الأصوات و الأضواء… صوت النار و هي تفتك بجسد المسخ مما جعله يشدو بتلك الألحان المرعبة مع صراخ (عزّوز) المذعور عبر الهاتف… و ضوء القمر الفضي وقد تمازج مع  اللهب الذي يتراقص ليرسم على الجدران ألف شبح متربص...

   وسرعــان ما خمدت النيران... لتكشف عن كومة من رمـاد أسود يبعث أعمدة من الدخّـان، و صوت (عزّوز) الذي بدأ يبحّ من كثرة العويــل كان لا يزال يملأ أذني...

   اقتربت من البقايا.. غير مصدقا ما حدث... صفعت نفسي بشدة فشعرت بالألم المرعب إياه.. ذلك الألم الذي يعني أن هذه حقيقة لا جدال فيها..

   حملت الهاتف و قلت مقاطعا عويل (عزّوز) الذي بدأ ينتحب:

   - لقد انتهى كل شيء يا (عزّوز)... لقد احترق بالكـامل.. فهلاّ تصمت..

    عمّ الوجوم لثواني... ورأيت حينها (عزّوز) بعين الخيـال و هو يُبعد السمّـاعة عن أذنه متمعنا فيها بوجه غير مصدق.. وقد ظهرت ابتسـامة باهتة على ثغره..

    ثم صرخ - كما توقعت - ممزقا طبل أذني:

   - أنت حيّ إذن !!.. حمدا لله... حمدا لله... الله أكبــــر !... الله أكبــــااار !....

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التعليقات (0) :: اكتب تعليقك! :: الرابط

<- الصفحة السابقة :: الصفحة التالية ->

عني



«  أكتوبر 2008  »
الاالثالأالخالجالسالأ
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031 

مدوناتي الاخيرة

الورقة الأولى
الجمجمة 4
الجمجمة 3
الجمجمة 2
الجمجمة 1
د.ب.2 - ظلام صمت و خاتم
د.ب.1 - وا حقيبتاه
سلسلة ناقوس الخطر
إيليزابيث 3
إيليزابيث 2
إيليزابيث 1
اللقاء الأبدي 2
اللقاء الأبدي 1
المنزل رقم 12... 2
المنزل رقم 12... 1
الشعب البشع
قناع ملوّن
خواطر و نصوص
سحر الوحدة
قصائد
ماذا وقع بالمطار ؟
طاقة من عالم آخر
رقم خــاص
وقاحة
المخاط
شبح السّحور
إلحق.. حرامي
اللاإنسانية
أنا قــادم إليك
بلا سـائق
اللقـاء المنتظر
المطر.. نعمة و ضرر
بداية رائعة
هجوم الماما
ملل
مستنقع الظلام

الاصدقاء


عناوين أخرى

أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال