بسم الله الرحمان الرحيم
كيف حالك ؟.. و ما أخبار الدراسة ؟.. لا تقل لي أنك لم تذهب بعد ؟!..
سألتني في رسالتك الهاتفية الأخيرة عن رأيـي في الجامعة !.. و كنت أودّ لو أخبرك أني أساير الدروس على أكمل وجه و أستوعب كل ما يسكبه أستاذ الرياضيات (السايكو) على السبورة أو أستاذة الكيمياء (المجنونة بكل بساطة) أو أستاذ الفيزياء (الخجول).. لكن الرياح لا تأتي دائما كما تشتهي السفن و طريق الحياة ليست مفروشة بالحرير و الأزهار.. بل ليس حتى كما تقول المغنية (يوم ليك و يوم عليك) و إنما الأصح هو (يوم عليك و يوم عليك)!..
على كلٍّ، لن أسترسل في هذه الحكم المرّة.. و سأقول باختصار أني أعاني معاناة شديدة هنا، و تمر بي ضائقة خطيرة تكاد تذهب بعقلي!..
ليس للأمر علاقة بجو الحي الجامعي أو بالجامعة في حدّ ذاتها و لن أتكلم عن الوحدة التي أعيشها فقد أصبحت عادة من عاداتي.. و إنما يُعزى مشكلي إلى طبيعة الدراسة و الطريقة الغريبة التي يُلقي بها بعض الأساتذة الدروس!.. لا تقل لي من فضلك كلاما مملا على غرار "إنها البداية يا أحمق.. وسرعان ما ستتكيّف".. أنا لا أتكيف بالمناسبة، فالكيف مضر بالصحة!..
و لكن كيف تُفسّر تلك الحشود من الطلبة و الطالبات الذين و اللواتي يحللن التمارين حتى قبل أن يفكر الأستاذ في كتابتها على
اللوح ؟.. و من أين تأتيهم تلك العلاقات و الخاصيات الغامضة التي أقسم أننا لم نسمع بوجودها في الثانوي !..
هذا، و مشكل الحي الجامعي أبشع و أخطر بكثير!.. ففور إيلاجي المفتاح في ثقب الباب و قد مررت بيوم حافل بالمعارك الطاحنة ((8-12 / 2-6)) و عند سماع تلك التكّة المعدنية، المحببة للنفس، أدفع الباب بهياج و أستلقي بفراشي الوثير، ذلك الفراش الذي يجعل ظهرك على شكل حرف (U) مما يُساعد على استقامته و يمنع آلامه المبرحة !..
بعد مرور أقل من ثانية على انهياري فوقه (أعني السرير طبعا و إلا ماذا سيكون مثلا ؟)، يطبق جفناي إطباقا.. و لا أفتحهما ثانية إلاّ على صوت صديقي و هو يرمي الأواني من الدولاب (لا أدري السبب، فهو يجن من حين لآخر) أو صوت الطلاب المحترمين و هم يمشون مشيتهم العسكرية على الدّرج قاصدين (محل الحريرة) للحصول على إفطارهم..
حتى الآن لا مشكل و لا مصيبة في كل هذا.. و لكن بعد الإفطار مباشرة، و الذي ثمنه 28 ريالا و يتكون من بيضة، حلوى، فرماجة، ثمرتان أو ثلاث، كوميرة أو خبزة، نصف لتر من الحليب المبستر و أخيرا علبة بلاستيكية بها تلك المادة اللزجة التي يطلقون عليها (الحريرة).. و نحن لا نشربها بالمناسبة، فرائحتها أبشع من رائحة المياه العديمة !..
ماذا كنت أقول ؟.. لا تنظر إلى الورقة ببلادة هكذا.. فبسببك نسيت عمّا كنت أتحدث !..
آ آه.. فور تناولي الإفطار المبارك، يتخدّر جسمي كـلّيته.. ستعرف هذا الشعور تماما إذا كنت تصوم، و يمكنك حينئذ إضافة تعب اليوم بطوله أمام العلاقات الرياضية لتفهم سبب فقداني الوعي !..
أصلي التراويح بمسجد الحي، و تجويد الإمام رائع يذكرني بصوت الشريم و السديس.. ثم هووووب.. إنه منتصف الليل !!..
ربما تسمع صوت غليان (المرقة) في أجمل أيامنا.. و صوت مغني مخبول يصدر من جهاز راديو صغير ملقىً على كومة الكتب و الدفاتر التي تكاد تشتكي من تجاهلي إياها!..
و هكذا تتوالى الأيام و الأسابيع، و تملأ الدفاتر بسرعة مرعبة و أنا أكـاد لا ألتقط أنفاسي من التوتر و العصبية، هذا ما سبب لي حالة أخرى من حالات الاكتئاب الخطيرة التي أمر بها في حياتي.. و لكني رغم كل هذا و ذاك لازلت أقاوم و أملي في الله كبير.. و محـــال أن ينسى الخالق مخلوقه مادام ذاكرا، منكسرا، عــابدا..
سأترك الآن القلم على أمل إمساكه في مناسبة قريبة إن شاء الله لأكتب لك بعض الطرائـف و المملحات و المسكرات التي وقعت أمام ناظريّ.
و السلام عليكَ و رحمة الله و بركاته.
رفعت خــالد
11/10/2006