أوراق رفعت خالد

السبت, أكتوبر 21 - أنا قــادم إليك

 

        

- سمير... حبيبي... سمير...

   همست بها الأم في أذن طفلها النائم كالحمل الوديــع...

- أمممممم...

- هيا يا صغيري... كف عن النوم و انهض فأنا و أبيك سنسافر اليوم...

- م.. ماذا ؟..

   تلفظ بها سمير بصعوبة و هو يفرك عينيه ليزيل شظايا النوم منهما..

- إنه اجتماع طارئ في العاصمة... و سأحضر لك هدية رائعة من هناك..

   قالتها سعاد بمرح و هي تعابث أرنبة أنف طفلها الذي اتسعت ابتسامته لما سمع العبارة الأخيرة...

                                                                                                *** 

   محمد رجل أعمال ناجح و زوجته سعاد سكرتيرته الخاصة.. شابان سعيدان و متفاهمان لدرجة لا تطاق..

   ذلك النوع من الأزواج اللذين يتبادلون المجاملات على مائدة الطعام عوض اللعنات و السباب و ربما.. الصحون...

     ذلك النوع من الأزواج (العشاق) اللذين لا يشعرون بحاجز يمنعهم من التماسك باليد في قارعة الطريق، أمام العيون الحانقة.. عوض الصفع و الركل أمام العيون المسرورة !...

   رُزقا بطفل منذ ست سنوات، وهو سمير طبعا... طفل في غاية الذكـاء، بحيث يظهر ذلك من خلال تصرفاته التي تفوق سنه بكثيـر... 

   ربياه أحسن تربية و وفرا له ما لا يتوفر عند جل أصدقائه... إذ أنه فتح عينيه في غرفة جدرانها مغلفة بورق وردي فاتح.. غرفة مليئة بصور شخصيات الكرتون الشهيرة و تتدلى أشكال و دمى حيوانات من كل مكان فيها.. 

*** 

- متى ستعودان ؟..

   قالها سمير لأمه و هما ينزلان الدرج بهدوء..

- أممم... أعتقد في المساء..

   في الأسفل، كان محمد يحمل حقيبة صغيرة و يرتدي بذلته السوداء الأنيقة... ابتسم برقة لما رأى ابنه و حمله بيديه القويتين إلى أعلى.. لوح به هنا و هناك، كما يفعل عادة، ثم أرجعه إلى الأرض، و قال له و هو يربت على كتفه:

 - اسمع يا سميرو... لا تغادر المنزل.. هه... ابق في الداخل و تمتع باللعب في الحاسوب... وإذا شعرت بالجوع، فطعامك في الثلاجة.. اتفقنا..

    حرك سمير رأسه إيجابا و ابتسامة واسعة على ثغره...

    أردف محمد بعد أن نظر إلى زوجته نظرة ذات معنى:

- سنعود في المساء و سنحضر لك... لا لن أقول..

   تمسك سمير برجل أبيه و هو يتباكى و يصر على معرفة المفاجأة التي تنتظره في المساء فارتفعت ضحكات سعاد العذبة في المكان...

   تملص منه محمد بهدوء و قال و هو يحرك حاجبيه في سخرية:

- قلت لك لن أقول... ستعرف ذلك بنفسك في المساء...

   اكتفى سمير بمط شفتيه في استسلام و موافقة...

   انحنى محمد وبهدوء وضع قبلة على جبين الصغير و ما إن اعتدل حتى انحنت سعاد بدورها لترسم بشفتيها قبلة حنان على خده الأملس...

   رأى سمير الباب يهم بالانغلاق... ثم انفتح مرة أخرى لتظهر أمه و هي تتجه بسرعة نحوه و حذائها اللامع يصدر قريعا محببا فوق الأرضية...

- شيء أخير يا حبيبي... إياك الاقتراب من المسبح، اتفقنا... حتى لو سقط به (بوبي) فهو يعرف السباحة... أوكي..

- أوكي مامي...

   و قبلة أخيرة على الجبين ثم ينغلق الباب أخيرا... 

*** 

   في فيلا فاخرة لا تبعد كثيرا عن الشاطئ كانوا يقيمون... أربعة طوابق شامخة وسط رقعة خضراء شاسعة، تحيا بها شتى أنواع الأزهار و النباتات، و تتخللها تفرعات كثيرة تؤدي إلى حوض فسيح على شكل دلفين ضخم... و حول كل هذا انتصبت أشجار باسقة و كأنما تحرس هذه الجنة من كل ريح شريرة أو عاصفة فاسقة... 

*** 

   - أوووييي... أخيرا، المنزل لي وحدي، سأفعل ما أشاء..

   هتف بها سمير و هو يصعد ملتهما درجات السلم الرخامي و قد زالت عنه كل آثار النوم...

   - ترى ماذا أفعل الآن ؟... الألعاب الالكترونية... لا.. ليس بهذه السرعة، خصوصا و أن بطني فارغ...

   عبر بخطى سريعة أروقة الطابق الأول متجها نحو المطبخ الحبيب، ثم الثلاجة العزيزة...

   فتحها بسرعة لتتألق عيناه سرورا و هو يرى ما بجوفها... حمل زجاجة الشيكولاته و قنينة الصودا ثم اعتلا كرسيا ليصل إلى أعلى الرف، حيث رقائق البسكويت التي يهيم بها حبا...

   جلس وقتا لا بأس به يلتهم ما حضره لنفسه، مستمتعا برؤية عصفوره الأصفر في قفصه، و الذي يبدو عليه النشاط بدوره و هو يُصدر أعذب الأصوات...

   توجه مرة أخرى إلى الثلاجة، يعيد ما أخرجه منها، و يخرج كيسا ضخما... هو في الغالب طعام كلب...

   - بوبيـي.... بوبييييييييي.... هيا أيها الأحمق، إنه موعد فطورك..

   -..........

   - بوبييييييي.... لا تلعب دور المختفي مرة أخرى...

   -.........

   - بوببيييييي... تعال إلى هنا.. لقد بدأت تغضبني حقا...

   -........

   - و لكن ما باله لا يجيب ؟!......

   قالها سمير واضعا الكيس على المائدة، و قد بدأ يظهر التوتر على محياه...

   هم بمغادرة المطبخ لما رن الهاتف فجأة، لترتعد أطرافه...

   حمل السماعة بسرعة...

   - آآآلو... من ؟...

   - ........

   - من معي ؟...

   -........

   - آآآآلوو....

   أقفل الخط ساخطا و مط شفتيه في عدم فهم...

   - لماذا لا يجيبني أحد هذا الصباح ؟...

   قالها و توجه نحو الطابق الثاني، حيث الحاسوب... 

*** 

- شيء أخير يا حبيبي... إياك الاقتراب من المسبح، اتفقنا... حتى لو سقط به (بوبي) فهو يعرف السباحة... أوكي.. 

*** 

   كان مستغرقا في اللعب... يجب توجيه فوهة المدفع صوب الأهداف التي تظهر و تختفي بسرعة.. يجب تحطيم الرقم الأول...

   - تررررررررن....

   صوت الهاتف من جديد يُفسد عليه متعة اللعب...  

   - تبا... من يكون هذا... ليس أبواي بالتأكيــد.. فلا شيء مهم يقولانه لي..

   - ترررررررن...

   - حسنا، حسنا... أنا قادم.. لا أملك جناحان كي أطير...

   قالها سمير بعصبية و هو يهرول نحو الردهة حيث الهاتف الحائطي...

   - آللو.. من ؟..

   - مرحبا سمير...

   كان الصوت خشنا مما جعل سمير يشوه وجهه مستغربا...

   - من أنت ؟...

   - ليس مهما من أكون ؟... و لكن المهم شيء آخر...

   - عذرا سيدي... أنا لا أفهم ماذا تقصد...

   - هه هه هه... تتكلم كرجل ناضج... لدى سأعاملك بنضج أيضا... أنت تبحث عن (بوبي) أليس كذلك ؟...

   صُعق سمير لما سمع اسم كلبه الذي نساه تماما...

   - ما به (بوبي) ؟!!....

   - إنه بجانبي يتألم... لن أخبرك ماذا فعلت له... لأن دورك سيحين قريبا.....

   بقي سمير ملصقا أذنه مع السماعة رغم انقطاع الصوت لتحل محله تلك النبرة الطويلة المزعجة...

   كانت كل خلية من جسمه ترتعش وحــاول جاهدا، و بكل ما له من عقل، أن يحلل ما سمعه قبل قليل...

   - قال إن (بوبي) يتألم... و.. وأن دوري سيحين قريبا... لا.. لا... هذا غير معقول... لا بد أنه أبي الذي يمزح إحدى مزحاته المعتادة... وهذه المرة فعل شيئا ما ليغير صوته... هذا أكيــد...  

*** 

أعاد الهاتف إلى جيب معطفه و شبح ابتسامة يطل من ثغره و.. و تقدم، تاركا خلفه جثة صغيرة - أو ما تبقى من جثة - تصدر أنينا خفيضا و بالكاد تتحرك... 

*** 

   عاد إلى أمام الحاسوب و بقي لمدة يحدق بالطائرات و هي تقصف مدفعه الذي يُصدر أعمدة من الدخان مما يدل على اقتراب موعد انفجاره..

   بضغطة زر أطفأه و توجه إلى النافذة... أزاح الستائر ليتبين المسبح المتألقة صفحته تحت الشمس...

   صعب أن تعرف بما كان يفكر ذلك الطفل ذو ست سنوات و هو يرمق الطبيعة من خلال النافذة، شارد الذهن !...

   و كانت رنة الهاتف هذه المرة كفيلة بجعل قلبه يثب و ثبا...

   - أمي أنا خائف...

   قالها لا شعوريا و هو يعض على أصابعه...

   يد خفية دفعته إلى الردهة، و رغم ذعره الشديد من سماع ذلك الصوت الأجش مرة أخرى، تقدم...

   تردد قليلا قبل أن يرفع السماعة... وببطء بطيء ألصقها بأذنه و أرهف السمع...

   - سميرو... أينك يا سميرو ؟... أنا قادم إليك...

   نفس الصوت الخشن، الساخر يخترق مسامعه و يخلق رجفة عنيفة بسائر جسمه...

   ترك السماعة تسقط ليمسكها الخيط و يطوحها هنا و هناك...

   بقي لمدة طويلة ينظر لشيء وهمي في الأرض و الدموع قد بدأت تحتشد في مقلتيه... ثم..

   أمسك السماعة بعصبية هذه المرة و صرخ:

   - من أنت يا جبان ؟... لماذا تفعل هذا ؟... ماذا فعلت ببوبي ؟... سيقطعك أبي إربا إربا لما يعود...

   - ها أنت قد فقدت نضجك... من قال إن أبــاك سيجدك عندما يعود رفقة أمك الحسناء.... فأنا قد تجاوزت الطابق الأول... 

*** 

- متى ستعودان ؟..

قالها سمير لأمه و هما ينزلان الدرج بهدوء..

- أممم... أعتقد في المساء.. 

*** 

   أسرع سمير إلى الباب و بيد مرتجفة سحب المزلاج، ثم ركض نحو المطبخ.. و أسفل المغسل حشر نفسه قرب قنينات التنظيف...

   لهاثه لا يتحكم فيه قط... وجنتاه مبتلتان بالدموع و ركبتيه لا تكفان عن الارتعاش...

   كان ينتظر سماع قرع على الباب أو أصوات محاولة تحطيمه... و لكنه سمع عوض ذلك صوت الهاتف مرة أخرى...

   تردد كثيرا.. و سرعان ما تذكر أن الباب مقفل بإحكام مما بعث القليل من الارتياح في قلبه...

   بخطى ثقيلة توجه إلى الردهة... حمل السماعة و انتظر الصوت المعتاد...

   - أتعلم أين أنا الآن... لقد تجاوزت الطابق الثاني و أنا في طريقي إلى الثالث... حيث أنت..

   صُدم تماما.. و انتابه شعور بالغبطة... لقد وجد أخيرا فكرة للفرار من هذا الكـابوس الشنيع...

   ((بما أنه الآن في طريقه إلى الطابق الثالث، لماذا لا أنتهز الفرصة للنزول و من تم إلى الخارج))...

   لم ينتظر كثيرا، و بخفة تسلل إلى الباب... حاول جاهدا أن لا يصدر أي صوت جدير بلفت انتباه ذلك الوغد...

   فتح الباب، ثم زفر في اطمئنان لما رأى المنظر هادئا و لم يقفز عليه ذلك اللئيــم...

   ركض في السلم و هو يقفز درجتان و أحيانا ثلاث...

   وصل إلى الأسفل، وتوجه جريا إلى الباب ثم تسمر على حين غرة لما سمع أنة خفيضة من مكان ليس ببعيد...

   تقدم نحو مصدر الصوت بخطى حذرة... وفي ركن مظلم لمح شيئا ملقى على الأرض... يبدو كجوال صغير و... ولكنه يتحرك..

   واصل تقدمه الوجل و ما إن بقيت بضع خطوات تفصله عن ذلك الشيء رفع هذا الأخير رأسه و أصدر صوتا يفيض حزنا و بالكاد يُسمع...

   صُعق سمير و شهق بعنف... إنه (بوبي).. ولكن ما بال شكله... إنه... رباه !...

   فهم سمير، مذعورا، أن كل أطراف الكلب مبتورة !!...

   بغصة في الحلق و دمعة في العين انحنى يرقب المشهد غير مصدقا الحالة التي آل لها صديقه الوفي... 

*** 

- إنه بجانبي يتألم... لن أخبرك ماذا فعلت له... لأن دورك سيحين قريبا..... 

*** 

   في غمرة النحيب و أمام الصورة البشعة أمامه... شيء ما في أعمق أعماق منطقة اللاوعي لديه بدأ يعمــل...

   ((لقد... لقد كان محقا ذلك الوغد فيما كان يقول إذن... عذب كلبي الوفي أشنع تعذيب... آآه يا كلبي... ليتك تعود لي......

   تذكر أن عليه الفرار من البيت في أسرع وقت ممكن، لقد أصبح التهديد حقيقيا الآن...

   و لكن...

   ((... قال إنه يتوجه إلى الطابق الثالث... ألم يسمع رنين الهاتف بالطابق الثاني و هو في الدرج ؟... هذا غير ممكن.. و.... 

*** 

- أتعلم أين أنا الآن... لقد تجاوزت الطابق الثاني و أنا في طريقي إلى الثالث... حيث أنت.. 

*** 

   قاطعت تفكيره ضحكة ساخرة و.. و بنفس الصوت الأجش إياه...

   التفت سمير بذعر ليكتشف جثة ضخمة، مظلمة.. و قبل أن يفهم شيئا رأى وميض فأس يرتفع في الهواء ثم... يهوي.. 

***

  

تم الجزء الأول بحمد الله.. 

الجزء الثاني: الدخيل



أرسل تعليق

من:
  * 
عضو مسجل: [ دخول / التسجيل ]
* عنوان الموقع:
* البريد الإلكتروني:
الموضوع:
* النص:
* الرمز:
   

 
 
<- الصفحة السابقة :: الصفحة التالية ->

عني



«  ديسمبر 2008  »
الاالثالأالخالجالسالأ
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031 

مدوناتي الاخيرة

الورقة الأولى
الجمجمة 4
الجمجمة 3
الجمجمة 2
الجمجمة 1
سلسلة ناقوس الخطر
إيليزابيث 3
إيليزابيث 2
إيليزابيث 1
اللقاء الأبدي 2
اللقاء الأبدي 1
المنزل رقم 12... 2
المنزل رقم 12... 1
الشعب البشع
قناع ملوّن
خواطر و نصوص
سحر الوحدة
قصائد
ماذا وقع بالمطار ؟
طاقة من عالم آخر
رقم خــاص
وقاحة
المخاط
شبح السّحور
إلحق.. حرامي
اللاإنسانية
أنا قــادم إليك
بلا سـائق
اللقـاء المنتظر
المطر.. نعمة و ضرر
بداية رائعة
هجوم الماما
ملل
مستنقع الظلام

الاصدقاء


عناوين أخرى

أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال