الأربعاء, ديسمبر 6 - اللاإنسانية

إن ما يبدو مُميِّزا لمجتمع الإنسان عن مجتمع الحيوان لأول وهلة هو ذلك السّلوك النّظامي، المنهجي، و الذي تُضفيه قوانين تحدّ من الحرّية اللاّنهائية للأفراد ومن غرائزهم الوحشية، عكس الحيوان تماما و الذي لا تحكمه قوانين مُشابهة مماّ يجعله ينطلق في حريته إلى أقصى الحدود. ومع هذا فإنّ من شأن دراسة سلوكيات الأفراد داخل المجتمع و سايكولوجية تعاملهم مع البيئة و مع الكائنات الحيّة المحيطة بهم أن تجعلنا نلمس أحيانا خرقا لهذه القوانين و عدائية تُجاه البيئة و الآخرين، و أحيانا أخرى أنانية مُفرطة و غياب الإحساس بالمصلحة العامة، و هذا يُؤكّد بشدّة أن وجود قوانين صارمة يعيش تحت ظلّها البشر ضرورة لا مناص منها، فالإنسان، و بعد كل شيء، يصبو دوما إلى تحقيق مآربه الشخصية، و تغيب عليه أثناء ذلك تلك النّظرة الشّمولية للإنسانية و يعزف عن التفكير فيما هو أفضل و أنسب لها، و هذا إنما هو نتيجة للغرائز و الشهوات المطمورة بدواخله و التي تُغلّفها الوحشيّة أحيانا، لذا فالخروج من هذه الدّائرة الضيّقة إلى فضاء الإنسانية الرّحب هو أقرب ما يكون إلى صفة من صفات الكمال الذي يختصّ به الله جلّ في عُلاه.
و حتّى إن افترضنا جدلاً أنه من الممكن أن يمتلك إنسان هذه الخاصية الفريدة في تمييز ما هو مفيد للإنسانية عن غيره فلن يمكنه العمل بها بشكل متواصل، و حتما ستزول الرغبة لديه في ذلك عندما يكتشف أنّ الإنسانية أصلا، و هي مجموعة الأفراد، لا تُبالي بأن تمشي باتجاه الأفضل و الأصحّ أو نحو الخراب و الدّمار.
إنّ خاصية الفناء للطّبيعة و ما توحيه من تجنّب للألم و بحث متواصل، جنوني عن اللذّة من شأنها أن تبثّ في الإنسان الطّمع في الأكثر و تُحيط أفكاره بالنّرجسية المُطلقة.
و خالق هذا الكون و هذه الإنسانية يعلم سبحانه بوجود هذا الخلل في عباده و هذا الضّعف في تسييرهم للكون، و هو ضعف منطقي و معقول تماما، إذ كيف لمخلوقات أن تتحكّم و تخطّط بشكل صحيح لوجودها وهي ليست مسؤولة عن وجودها و لا تتحكّم فيه أصلاً ؟.. فالمتحكّم و المُسيّر الوحيد إذن هو الخالق تبارك و تعالى و من تمّ، و بما أنه سبحانه يدري هذا الضّعف جيداً فقد أنزل الكتب السّماوية و بعث الرّسل و الأنبياء حتى ينسجوا القوانين الصّحيحة و الخطوط الحمراء، و حتى يُعلّموا الإنسان كيف يصنع بغرائزه و نزواته و كيف يحبسها لئلاّ تسبّب الفساد و الدّمار في الأرض، وهذا ما كان سيسود لو أمسك الإنسان، كلّ إنسان بحبل الله الغليظ و لم يُفلته أبدا حتى لا يسقط في غياهب الانحلال و اللاّإنسانية.
|