الأحد, أبريل 13 - الجمجمة 4
4
النهاية
ربما كان الوقت فجرا وقتئذ لمـّا سمعت الباب ينفتح ببطء... تأهبت لل.. للهرب.. ولكني سرعان ما لمحت (عزّوز) الذي انقضّ علي و عانقني و هو يُتمتم منهارا:
- حمدا لله على سلامتك يا صديقي !..
- شكرا لك... الحمد لله..
- ســامحني إن لم آتي البارحة لمساعدتك فقد تجمدت مكاني تماما..
- لقد فعلتَ ما بوسعك.. بل إن الفضل كله يعود لك.. فكيف كان لي أن أتخلص منه لولا تلك الوصفة الحبيبة..
قال بعد أن أفلت عنقي:
- لا شكرا على واجب.. المهم هو أنك الآن بأمن و أمان..
- إنها رعـاية الله يا صديقي..
- و ِنعم بالله..
كان ذلك اليوم أحدا.. تناولنا الفطور في صمت، ثم دعـاني لمنزله..
* * *
لعبنا الأوراق و الشطرنج، و عندما أخذ مني الملل ما أخذ توقفت عن اللعب و توجهت لمكتبته المتواضعة.. تناولت كتابا بعنوان (المقاولات و الشأن الاقتصادي بالمغرب ) – وأنا بالمناسبة أكره هذه المصطلحات كره الموت – فقلت و أنا أتصفحه:
- أنا لا أعرف لماذا تقتني مثل هذه الكتب المملة ؟.. ألا توجد صور ؟..
- لا أصدق نفسي عندما أتخيل أنك بعد أعوام قليلة ستكون طبيبا ؟!..
- أنا أيضا مثلك..
- ولكن قُلّي... ما قصة ذلك المسخ ؟.. ألم تعرف بعد غايته من محاولته تمزيقك إلى قطع بمنجله الضخم ؟..
ضحكت ثم قلت وابتسـامة خبيثة على ركن فمي الأيمن:
- نعــم !!..
- حقا ؟... منذ متى ؟..
- منذ البارحة.. و بالضبط بعد انتهاء ذلك الكــابوس، حيث تمددت فوق سريري و قمت ببحث مُضني في مزبلة رأسي عن تفسير لكل هذا.. حاولت تجميع كل المعطيات و الأحداث و ربطتها بأشيـاء بعد أن أزلت منها أشيـاء... و فجأة وجدت التفسيـر الذي صعقني على حين غرة ففهمت كل شيء..
- هذا جيد.. تكون ذكيا في بعض الأحيان.. ولكن الأهم لم تقله بعد..
- سأقوله.. فقط بعض التشويق كما في قصص (شرلوك هولمز)..
ثم اعتدلت مكاني و أنشأت أقول و قد محوت الابتسامة من على ثغري:
- لقد تداخلت الأحداث بعضها في بعض وكوّنت شيئا فشيئا التفسير الذي كان كل ما أتمناه.. وقد كان مُرعبا... حسنا.. لا تبكي، سأدخل صلب الموضوع حالا...
(... في السنة الماضية و في أحد أيام الشتاء غادرت المنزل قاصدا (فيلاّ) أحد أصدقـائي الأثرياء، إذ أني كنت مدعوا إلى حفلة عيد ميلاده...
كان المنزل فخما، مليئا بالصور و التماثيل و الأثاث الذي لا أراه إلا في الأفلام المكسيكية... و كانت حفلة بهيجة، حيث الضوضاء و (قعقعة) الأوانـي تبعث شعورا محببا في النفوس... وبالطبع ارتكبت أخطاء فادحة كعادتي، إذ أن الحلوى سقطت على بذلتي التي كنت أخاف عليها من ذرات الغبار و أنا في الطريق.. وسقط كأس العصير من يدي بعد مدة لا بأس بها من الكارثة الأولى لينفجر على الأرض.. فكان من السهل قراءة نظرات الشباب لي حينها وكأنها الحروف مكتوبة على دوائر تخرج من أفواههم، كما في مجلات الأطفال.. حيث قال أحدهم وهو يهمس في أذن صاحبه: (لم أر في حياتي كلها بلادة كهذه !)... ثم قالت أخرى بين أسنانها و هي تمضغ العلكة كاتمة ضحكة اشمئزاز: (لماذا يدعون أشخاصا كهؤلاء إلى الحفلات ؟)..
ضحك (عزّوز) حتى استطعت حساب عدد أضراسه..
(.. لا علينا... بعد انتهاء الحفلة، غادر الكل باستثنائي و صديقي (هشـام) ثم صاحب المنزل - طبعا – (رضى)... تعاونا على جمع الكراسي و قُمنا بتلك العمليات الشهيرة التي تلي كل حفلة.. إذ أن رضى كان وحده بالمنزل بعد سفر عائلته إلى فرنسا.. ثم جلسنا أمام مدفئة ضخمة بعد أن أطفئنا الأنوار و بدأنا نتأمل وجوه بعضنا البعض وقد أضاء لهيب النار نصفها...
لا أعرف من اقترح فكرة حكي قصص الرعب والتجارب المفزعة.. ربما تراقص اللهيب على جدران قاعة الحفلات الواسعة هو من ألهمنا وبث في نفوسنا هذه الرغبة الجهنمية !!.. المهم... بدأ (هشام) بروي قصة مملة لا أذكرها، و عند انتهائه كان دوري فاعتذرت لكوني لم أشهد أو أسمع وقائع مفزعة في حياتي ماعدا أفلام الرعب الأمريكية المليئة بالدم و الأمعاء المتدلية التي أشاهدها أحيانا.. وهكذا وصل دور (رضى)... ليتني نهضت قبل أن يحكي قصته اللعينة..
تثاءب (عزّوز) و أشار بيده بهدوء بمعنى (أكمل أرجوك)..
(... بدأ يروي حكاية لا أعرف لماذا شدتني شدا و شغلت تفكيري تماما.. ربما يعود ذلك إلى طريقته في حكيها أو... لا أدري !..
إنها قصة رجل ما عاد ذات مرة من عمله ليجد بيته يحترق... صُعق و انفطر فؤاده حسرة على عائلته الصغيرة، زوجته الشابة و طفلاه التوأمان.. و سرعان ما تحول ولعه إلى غيض وهستيريا لمـّا لاحظ حشدا من الناس أمام المنزل.. و لا أحد يحرك ساكنا !!..
زمجر في غضب جامح وهو ينـزع قميصه و يخترق النيران مناديا زوجته و وولداه.. ثم اختفى لوقت طويل.. فبدأ الناس يتهامسون و يوشوشون...
لقد كانت الحمم تتقاذف من النوافذ، الشيء الذي جعل دخول المنزل من سابع المستحيلات..
ولكن أحدهم لمحه.. أو هكذا يزعم.. لمحه عبر النافذة يحترق و يصرخ ملتويا.. وفي عينيه بريق غريب، بريق مرعب.. و أكد ذلك الشخص أنه رآه يلوح إلى الناس مهددا قبل أن تتمكن منه النيران تماما..
و قد فقد ذلك الشاهد وعيه بعد المشهد المرعب إياه – كما وصفه – بل إنه صار مجنونا بعد ذلك، يصرخ في الشارع بأن شبح الرجل المحترق سينتقم منهم جميعا..
و في الأيام التالية حدثت أشياء في غاية الغموض بتلك القرية الأسترالية الهادئة... اختطاف أطفال و جرائم قتل مبهمة ذهب إثرها حوالي خمسون ضحية.. و طريقة القتل كانت شنيعة بمعنى الكلمة.. الرأس ينظر للوراء و الأمعاء قد انتزعت تماما.. أمّا الأطراف فلن تجدها !!.. وقد أكد المحققون أن الجرائم قد ارتُكبت بأداة حادة، هي في الغالب فأس أو.. منجل !!.. و يُقــال أن جميع ضحايا جرائم القتل كانوا هم أنفسهم الشهود على تلك المحرقة المروعة.. و حتى الأطفـال المختفون كانوا من عائلات هؤلاء الضحايا !.. هذا يعني أن (الشبح) قد انتقم منهم فعلا.. ولكن.. كيف فعل ذلك و هو في عداد الأموات ؟؟!..
بل يُروى أنه من يسخر من ذلك الرجل لعدم تلقيه و عائلته أي مساعدة أثناء الحريق... سيأتي ليضيفه إلى قائمة الموتى !..
و هنا بيت القصيد... هنا ارتكبتُ أكبر و أغبى خطأ في حيـاتي !.. أردت التظاهر بالشجاعة و تحطيم هذه الخرافة السخيفة - كما بدت لي حينها - وقلت، ساخرا، أنه لن يُحمّل نفسه أعباء السفر من أستراليا إلى المغرب لتمزيقي لمجرد أني تفوهت بكلمات سخيفة... ولم أدري وقتها مدى خطورة ما أُقدم عليه..
لقد ناديته بصوت عالي رغم معارضة (رضى) و الرعب الذي ارتسم في عيني (هشام)... رعب معرفتك المسبقة بحدوث شيء مخيف و عجزك عن الاعتراف بذلك..
- هوووو.... أنت وحيد أيها الشبح التافه.. لم يساعدك أحد، لأنك بلا قيمة... بلا قيييييييمة... هاهاهاها..
قال (عزّوز) و هو يحك ذقنه:
- هكذا إذن... فهمت الآن..
تابعت وكأني لم أسمع تعليقه:
(... سخرت بعد ذلك من سخافة القصة ومن كل من يُصدقها.. ولم أدري حينها أني أسخر من نفسي..
ثم مرت الأيـام بإملالها و قرفها الشديدين، ولم يحدث شيء ذا أهمية ما عدا بعض الكوابيس المزعجة، المليئة بالدم و الرؤوس المقطوعة و الضحكات الطويلة...
وكما تعلم بدأ كل شيء في اليومين السابقين.. و لكن الذي لم أفهمه بعد هو.. لماذا لم يقض علي بمنجله الضخم ليلة الجمعة ؟... أقصد لماذا لم يبتر أطرافي و ينزع أحشائي و يجعل رأسي ينظر للوراء ؟!..
قال ببطء وهو يتأمل شيئا وهميا في الحائط:
- ربما كان يهدف من وراء ذلك إلى إرعابك و إفقادك صوابك، و هذا ما يفسر تلك الأعمال الشيطانية من تحطم الصحون و رؤيتك لأشياء وهمية لا أساس لها من الصحة ثم تلك الأصوات.. و بلا شك، كان يخطط للقضاء عليك ليلة أمس..
- تماما... يبدو هذا منطقيا..
قلتها و نظراتي الزائغة تسبح في عوالم اللاوجود...
ثم استطردت بعد أن طفا سؤال فوق بحر أفكاري:
- ولكن هل يُعقل أن ينهض هذا الرجل من قبره بحثا عن معتوه (سمعه) يسخر منه ؟..
- كنت قد قرأت عن هذه الأشيـاء في عدة روايات رعب كما شاهدت أشياء مماثلة في قاعات السينما.. ولكني لم أتعجب كثيرا عندما حدث هذا معك، لأنه في نظري أي شيء ممكن الحدوث في هذه الحياة.. ألم تسمع بتلك المرأة التي أنجبت طفلا له منقار و...
- كـفى، كفـى... أعلم أن جعبتك مليئة بمثل هذه الوقائع المفزعة..
ثم انفجرنا ضاحكين...
* * *
عدت إلى شقتي الحبيبة.. كان الوقت ظُهرا، فوجدت أن أفضل ما يمكن القيام به حينها هو الغوص عميقا في غياهب قيلولة.. قمت باستعداداتي الشهيرة للنوم، حيث ارتديت منامتي و وضعت جهاز الراديو بقربي بعد أن فتحته على أغنية هادئة ل (بوب مارلي) ثم استلقيت بنشاط على سريري...
مرّ أمام عيني شريط أحداث اليومين الماضيين.. فاكتفيت بمطّ شفتيّ في تعجب، ثم أغمضت عيني و... وهبّ نسيم النوم...
تمت بحمد الله
كُتبت في صيف 2003 وتم تعديلها سنة 2005
|